الفلسفة

مفهوم الحقيقة

تقديم

تعتبر الحقيقة غاية كل معرفة إنسانية و هدف البحث المعرفي و التأمل العقلي . و لذلك يمكن أن تتخذ شكل رأي أو تصور أو نظرية أو موقف. و الحديث عن الحقيقة يتعدد بتعدد أنواعها و خطاباتها فهي تارة مادية حسية، و تارة أخرى مجردة عقلية و ثالثة حدسية مباشرة كما تبدو مطلقة و متعالية أو نسبية محايثة،مقترنة بأضدادها(الخطأ والوهم) وهي فطرية و مكتسبة لذلك يلزم طرح معايير الحقيقة أمام التساؤل حتى تصبح متسمة بصفات الكونية و الشمولية و الضرورة لتصير بذلك للحقيقة قيمة قد تكون أخلاقية، اجتماعية أو معرفية.



المحور الأول: الحقيقة و الرأي


إشكال المحور
هل الحقيقة معطاة في آرائنا أم أنها بناء منهجي ؟
موقف روني ديكارت
من منظور فلسفي عقلاني و من تجربته الذاتية يدعو ديكارت إلى ضرورة مراجعة كل المعارف السابقة التي حصل عليها و وضعها موضع شك منهجي لما تحتويه من أخطاء و إعادة بنائها على أسس صلبة و متينة أي على أسس عقلية . و بالتالي فالرأي يتعارض مع الحقيقة لأن الرأي مشكوك فيه في حين أن الحقيقة تعتمد على منهج عقلي و قواعد مضبوطة هي: البداهة، التحليل، الترتيب ثم الإحصاء و المراجعة.و لهذا فالحقيقة ليست معطاة في آرائنا و أفكارنا المسبقة و إنما تتأسس منهجيا على الشك كتجربة ذهنية للوصول إلى الأفكار البديهية و هو ما يسميه ديكارت بالحدس.
موقف غاستون باشلار:
من منظور ابستيمولوجي يؤكد غاستون باشلار على ضرورة إحداث قطيعة و انفصال بين الآراء الشائعة المتداولة و بين الحقيقة العلمية ذلك أن الرأي هو معرفة ظنية حسية ترتبط بالواقع المباشر و تفتقد إلى الدقة مما يجعلها معرفة عامية تحتوي على الأخطاء و الأوهام أما الحقيقة العلمية فهي معرفة عقلية مجردة متماسكة و دقيقة خاضعة للتعديل المستمر لذلك فالرأي المتداول قد يكون عائقا أمام بناء و بلوغ المعرفة العلمية لذا لا بد من تجاوزه من طرف العالم و إحداث قطيعة علمية ابستيمولوجية / معرفية معه لبناء المعرفة العلمية.
موقف إيمانويل كانط
يؤكد إيمانويل كانط بأن الرأي عبارة عن انطباع شخصي و حالة ذهنية ذاتية تدفع إلى الاعتقاد بصحة قول ما، لكن هذا يجعل من الرأي غير موضوعي و لا يؤدي إلى الحقيقة إلا إذا ارتبط الرأي بصلة يقينية فصار على شكل قانون يتمتع بخاصية الكونية و الشمولية و الضرورة، فهنا يمكن أن تتحول الآراء إلى حقائق و ذلك لكون الحقيقة يجب أن تكون معروفة بشكل قبلي و ذلك ليحصل اليقين العام الذي يقود إلى الحقيقة

المحور الثاني: "معايير الحقيقة"


إشكال المحور:
ما هي معايير الحقيقة ؟ هل معيارها عقلي منطقي أم اختباري تجريبي ؟
موقف روني ديكارت:
يؤكد التصور العقلاني أن الحقيقة توجد في العقل و ليس خارجا. فهي تستنبط منه اعتمادا و انطلاقا من مبادئ قبلية سابقة عن التجربة توجد في العقل و هذا ما يؤكده ديكارت كممثل للنزعة العقلانية حيث يعتبر أن معيار الحقيقة هو العقل باعتباره أداة معرفية لا يطالها الشك من أي جهة. كما يعتبر أن معيار الحقيقة ينبني على الحدس و الاستنباط ، فالحدس يقوم به العقل انطلاقا من أفكار فطرية و مبادئ أولية و هو الوصول إلى البداهة الشاملة بكل وضوح و بساطة و إقصاء لمعطيات الحواس أما الاستنباط فينطلق من مسلمات الحدس ليبني حقيقته على الاستدلال الذي ينتقل من البسيط إلى المركب.
موقف دافيد هيوم:
ترفض النزعة الاختبارية التجريبية أن تكون الحقيقة العقلية الخالصة كما تنفي وجود أفكار و مبادئ قبلية للعقل. حيث يميز دافيد هيوم باعتباره رائدا من رواد النزعة الاختبارية بين موضوعات يمكن تصديقها كحقيقة اعتمادا على معيار عقلي منطقي و وقائع يتم تصديقها اعتمادا على معيار اختباري تجريبي. فالأولى يتم تأكيدها كقضايا بواسطة الحدس و الاستنباط العقلي و المنطقي دون الرجوع إلى الواقع التجريبي أما الوقائع الثانية فيمكن تأكيدها من خلال مطابقتها للواقع التجريبي. ليخلص بذلك هيوم إلى وجود نوعين من الحقائق حقائق عقلية صورية و حقائق تجريبية مادية. مؤكدا أن التجربة وحدها القادرة على تكوين الحقائق الخالصة الشئ الذي يجعلها المعيار الأول للحقيقة
موقف جون لوك
امتدادا لما يذهب إليه رواد النزعة الاختبارية يؤكد جون لوك أن العقل لا يمكن أن يكون معيارا للحقيقة فهو عبارة عن صفحة بيضاء و كل ما يحتويه من معطيات معرفية يستمدها من الواقع التجريبي. إذن فالتجربة هي التي تملأه، و بالتالي يكون معيار الحقيقة و مقياسها هو التجربة المرتبطة بالإدراكات الحسية الخارجية.

المحور الثالث: الحقيقة كقيمة


إشكال المحور:
أين تكمن قيمة الحقيقة ؟
هل هي قيمة أخلاقية أم نفعية؟
هل هي غاية في حد ذاته أم مجرد وسيلة؟
موقف إيمانويل كانط
يعتبر كانط أن للحقيقة قيمة أخلاقية تتأسس على الصدق و تجنب الكذب، فقول الحقيقة واجب أخلاقي و مبدأ كوني لأنه شأن الإنسانية جمعاء. بهذا فالحقيقة هي التزام أخلاقي مما يجعلها غاية في حد ذاتها يجب الالتزام بها بغض النظر عما قد يترتب عنها من نفع أو ضرر لكون الحقيقة مثل أعلى يسمو عن كل غرض نفعي و هي قيمة مطلقة تستوجب الالتزام بها كواجب أخلاقي يجب أن تطلب بغض النظر عن النتائج و التبعيات.
موقف ويليام جيمس

ينطلق ويليام جيمس من منظور برغماتي(نفعي) ليؤكد أن قيمة الحقيقة تتحدد بقيمة ما تقدمه الفائدة عملية. فالحقيقي على مستوى الفكر و السلوك معياره هو ما يحققه من أغراض نفعية عملية، وبذلك يرتبط الفكر بالعمل فالأفكار الصحيحة هي التي تحقق فوائد عملية واقعية و السلوك الصائب هو الذي تترتب عنه فوائد نفعية. فالحقيقة تتغير إذن بتغير الظروف و الملابسات و بتغير مصالح الأفراد و الجماعات وبذلك تفقد الحقيقة قيمتها المطلقة و قدسيتها، و تتحول بذلك إلى مجرد وسيلة و ليست مثلا أعلى أو غاية في حد ذاته. موقف نيتشه
ينفي نيتشه وجود حقيقة خالصة في ذاتها، فالحقيقة لا تعدو أن تكون في نهاية المطاف مجرد وهم و بفعل الزمن و النسيان تتحرك هذه الأوهام إلى مستوى الحقائق. مما يجعل الحقيقة مجرد استعارات و كنايات تعبر عن حقيقة الواقع، فغزيرة البقاء تدفع الإنسان إلى استخدام العقل من أجل إنتاج الأوهام بدل الحقائق. وهكذا فما يدفع الإنسان إلى قول الحقيقة هو دفاعه عن استمراريته في الحياة.

 

© 2005 Projet madariss / www.madariss.fr /