الفلسفة

السياسة


بما أن السياسة هي سعي إلى امتلاك السلطة و فرض الطاعة و تدبير الشأن العام و تسيير و تنظيم العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع. و بما أن الاجتماع الإنساني أساس التعاقد و الاتفاق بين الأفراد الأحرار حول عقد اجتماعي ينظم علاقاتهم و يضمن حقوقهم و يحقق لهم الأمن. و بما أن هذا العقد يستمد ويستدعي سلطة عليا تجسده و تطبقه و تسهر على ضمان التحقق الفعلي لبنوده. و بما أن الدولة هي أعلى أشكال الاجتماع البشري و أسماها. فمن أين تستمد الدولة مشروعيتها؟ هل من الحق أم من القوة؟ هل تنحصر السلطة السياسية في أجهزة الدولة أم تشمل المجتمع ككل؟ ما هي طبيعة السلطة السياسية؟ و كيف تمارس الدولة سلطتها؟ هل استنادا على القوة أو العنف أم على الحق أو القانون؟
و إذا كانت السلطة السياسية تسعى إلى تدبير الشأن العام بهدف تحقيق و نشر الحق و العدالة. هل العدالة ترتبط بالحق الطبيعي أم الوضعي؟ و ما هي طبيعة العلاقة بين الحق و العدالة؟ و أي منهما أساس الآخر؟ هل العدالة تحقق المساواة؟ و هل هذه المساواة تنصف جميع أفراد المجتمع؟

مفهوم الدولة

تقديم

إن إشكالية الدولة ليست وليدة العصر الحديث بل هي موغلة في القدم. فالدولة كيفما كان نظامها السياسي ملازمة لحياة الإنسان طالما هو كائن اجتماعي. فهي تنظيم سياسي و اجتماعي و قانوني، يعبر عن مجموع إرادات الأفراد و يسعى إلى تدبير الشأن العام و ضمان الاستقرار و تطبيق القوانين و التشريعات التي تنظم العلاقات بين الأفراد. لهذا الدولة تمارس سلطتها من خلال مجموعة من الأجهزة و الآليات و المؤسسات. فهي جهاز يعمل على حماية الأفراد و ضمان أمنهم واستقرارهم، كما يمكن أن يمارس القمع ضد كل من يقف في وجهه

المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياتها

إشكال المحور

من أين تستمد الدولة مشروعيتها؟
هل من القوة و العنف أم من الحق و القانون؟

موقف ماكس فيبر

من منظوره كعالم اجتماعي يؤكد ماكس فيبر أن الدولة إذا كانت تسعى إلى تدبير الشأن العام. فهي بدرجة أولى تعبير عن علاقات الهيمنة و السيطرة القائمة داخل المجتمع. لكنها هيمنة تقوم على المشروعية التي تستمد من ثلاث أسس عبر التاريخ إذ هناك مشروعية تستند على الماضي و السلف و الموروث أي مجموع التقاليد و العادات. و مشروعية تستند على كاريزمية الشخص أي قوة شخصيته و خصاله و صفاته التي تجعله قادرا على التأثير في الآخرين و يستمد بذلك قوته وسلطته إما من قوة دينية أو أخلاقية أو إيديولوجية.ثم مشروعية تستند إلى القوانين و التشريعات السائدة داخل المجتمع كالانتخابات، كما يؤكد فيبر أن امتثال المواطنين للحاكم قد يكون إما خوفا من عقابه أو بطشه أو طمعا في مكافآته أو أجزائه أو استجابة لواجب ديني.

موقف توماس هوبس

يؤكد توماس هوبس أن نشأة السلطة السياسة المشروعة ناتج عن ميثاق و تعاقد إرادي حر بين الأفراد(العقد الاجتماعي) ثم بمقتضاه تخليهم عن بعض من حقوقهم الطبيعية في مقابل ضمان السلم و الحرية و الأمن من طرف حاكم تخضع له إراداتهم و يشكل إرادتهم و هو الضامن الأساسي لأمنهم و حريتهم و هو المجسد للدولة و إرادتها و يشترط فيه أن يجعل الناس غير قادرين على مخالفته و هو ما يجعلهم ملتزمين بالعقد و الميثاق المتفق عليه و بخشيتهم له يمتثلون لأوامره مما يجعل حاكما مستبدا قويا. إذن فهناك تجاوز لحالة الطبيعة التي كان الإنسان ينساق وراء أهوائه و غرائزه و يخضع لقوته ليعرف حالة مدنية أصبح فيها محتكما على عقله و خاضعا للقوانين و التشريعات. و هو ما أدى إلى نشوء الدولة كسلطة مبنية على التعاقد الحر و الإرادي بين الأفراد لتجاوز حالة الصراع و الحروب و الخوف و تحقيق الأمن و الاستقرار و السلم

موقف باروخ اسبينوزا

يؤكد اسبينوزا أن غاية الدولة الأسمى هي تحرير الأفراد و الحفاظ على أمنهم و تمكينهم من ممارسة حقوقهم الطبيعية و بالتالي فغاية الدولة هي تحرير الفرد من العنف و الخوف و تمتعه بجميع حقوقه الطبيعية سواء الجسمية أو الفكرية شريطة ألا يلحق الضرر بالآخرين و ألا يتصرف ضد سلطة الدولة و التي يشترط فيها أن تكون ديمقراطية تضمن العدل و المساواة.

المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية


إشكال المحور

ما هي طبيعة السلطة السياسية؟
ما هي أسسها و مرتكزاتها؟

موقف مونتيسكيو:


يؤكد مونتيسكيو أن الدولة الحديثة تتوزع فيها ثلاث سلط منفصلة و مستقلة عن بعضها.فهناك السلطة التشريعية و هي التي تشرع القوانين و السلطة القضائية التي تحكم بين الناس و تهتم بحقوقهم ثم السلطة التنفيذية التي تعمل على تنفيذ القوانين و التشريعات. و حتى لا يكون النظام استبداديا يجب استقلالية هذه السلط بعضها عن بعض لأن كل تداخل فيما بينها يهدد و يدمر الدولة و المواطنين. فوجود سلطة استبدادية يهدد الدولة بالزوال لكون الناس لا يرضون إلا بالحرية.

موقف ميشيل فوكو:


من منظور اجتماعي سياسي يؤكد ميشيل فوكو أن السلطة لا تنحصر في مجموعة من الأجهزة و البنيات بل إنها محايثة و ملازمة للمجال الاجتماعي ككل لأنها توجد في أي مكان و تحل في جميع مجالات المجتمع. و ذلك لأنها تمثل مجموع علاقات القوى المتعددة و هي أيضا مجموع استراتيجيات معقدة داخل مجتمع معين. و من ثم فالسلطة غير متعالية عن المجال الذي تمارس فيه بل هي محايثة له وهو ما يؤكد أن السلطة ليست مجموعة أجهزة محصورة في الدولة. و بالتالي فأجهزة الدولة لا يمكن أن تحتكر العمل السياسي.

موقف ألتوسيير:


يؤكد ألتوسيير أن السلطة السياسية تقوم على القوة و العنف و هي متعالية عن المجال الذي تمارس فيه حيث تحتكرها أجهزة الدولة فهي تمارس سلطتها عبر جهازين متعاليين عن المجال. جهاز عنيف قمعي يوجد في يد الدولة عبر إداراتها و يتضمن الحكومة و الجيش و الشرطة و السجون... و كل مؤسسات الردع المباشرة و جهاز إيديولوجي يمارس العنف الرمزي و لا تشرف عليه الدولة بشكل مباشر لكنه يوجد لخدمتها و الدفاع عن مصالحها و يضم العائلة، المدرسة، الإعلام، النقابة، الأحزاب و الجمعيات الثقافية و غيرها.

المحور الثالث: الدولة بين الحق و العنف


إشكال المحور


كيف تمارس الدولة سلطتها؟
هل بالحق و القانون أم بالعنف و القوة؟

موقف عبد الرحمان بن خلدون


يؤكد ابن خلدون من منظوره كمفكر و مؤرخ عربي أن الدولة يجب أن تتأسس على الرفق و الاعتدال، إذ يجب على الحاكم أن يسعى إلى تحقيق كل ما فيه صالح لرعيته و أن يتجنب كل ما قد يلحق به السوء و الضرر، فالعلاقة بين الحاكم و رعيته يجب أن تنبني على الرفق و الاعتدال بالتعامل لأن قهرهم قد يفسد أخلاقهم فيعاملونهم بالمكر و الخداع. أما إذا كان رفيق بهم اطمأنوا إليه و بادلوه المحبة و الاحترام و كانوا له عونا في أوقات الشدة والحروب و بالتالي فأهم الصفات التي يجب أن يتصف بها الحاكم هي الرفق و الاعتدال و ذلك لضمان استمرار الدولة و استمرارية سياسة هذا الحاكم إضافة إلى تحقيق محبة الناس له

موقف نيكولا ماكيافيل


يؤكد ماكيافيل أن السياسة مجال الصراع بين الأفراد و الجماعات داخل الدولة، مما يؤدي إلى لجوء الحاكم لجميع الوسائل التي تمكنه من الحفاظ على السلطة. فيستوجب على هذا الحاكم أو رجل السياسة أن يكون على استعداد لتغيير أساليب عمله حسب مقتضيات الظروف و مجريات الأحداث. حيث يمكنه أن يبني القوة و المكر و الخداع فيكون قويا كالأسد وماكرا كالثعلب كما يمكنه أن يعتمد القوانين و يكون متسلحا بصفات سامية أثناء حكمه كالرحمة و النزاهة، و الوفاء... إذا اقتضت السلطة ذلك، و هكذا يمكن للحاكم أن يلجأ للقوة و البطش و العنف كما يمكن أن يلجأ إلى الحق و القانون كما اقتضى الأمر: "الغاية تبرر الوسيلة"

موقف فريديريك انجلس


إن الدولة حسب الفيلسوف الألماني فريديريك انجلس هي نتيجة لتصارع قوى عديدة في المجتمع و هذا الصراع هو الذي يدفع بالدولة نحو التطور تبعا للمصالح الاقتصادية لكل الطبقات، لذلك فالدولة هي كيان يصطف مع الطبقة المسيطرة و المهيمنة التي يدافع عن إيديولوجياتها بل إنها تشكل من الطبقة الأقوى في المجتمع و التي تعبر عن مصالحها الاقتصادية.

 

© 2005 Projet madariss / www.madariss.fr /